صديق الحسيني القنوجي البخاري

82

فتح البيان في مقاصد القرآن

الآن يتكلم فما زاد أن قال آه أو قد فعلوا ، وقرأ هذه الآية ، وروي أنه قال على إثره . قتل من كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه . وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قام من الليل افتتح صلاته : « اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » « 1 » . ثم لما حكى عن الكفار ما حكاه من الاشمئزاز عند ذكر اللّه ، والاستبشار عند ذكر الأصنام ذكر ما يدل على شدة عذابهم وعظم عقوبتهم فقال : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي منضما إليه لَافْتَدَوْا بِهِ أي بالمذكور من الأمرين أي لجعلوه فدية لأنفسهم مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي من سوء عذاب ذلك اليوم ، وقد مضى تفسير هذا في آل عمران . وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي ظهر لهم من فنون عقوبات اللّه وسخطه ، وشدة عذابه ، ما لم يكن في حسابهم ولا يحدثون به في نفوسهم وفي هذا وعيد لهم عظيم ، وتهديد بالغ غاية لا غاية وراءها وقال مجاهد عملوا أعمالا توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئآت وكذا قال السدي . وقال سفيان الثوري : ويل لأهل الرياء ، ويل لأهل الرياء ، ويل لأهل الرياء ، وهذه آيتهم وقصتهم . وقال عكرمة بن عمار ، جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعا شديدا فقيل له ما هذا الجزع ؟ أخاف آية من كتاب اللّه ، وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فأنا أخشى أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب . وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي مساوىء أعمالهم من الشرك ، وظلم أولياء اللّه ، و ما تحتمل أن تكون مصدرية أي سيئآت كسبهم ، وأن تكون موصولة أي سيئآت الذي كسبوه ، حين تعرض صحائف أعمالهم ، وكانت خافية عليهم ، أو عقاب ذلك وَحاقَ بِهِمْ أي أحاط بهم ونزل بهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ من الإنذار الذي كان ينذرهم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 49 إلى 53 ] فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 49 ) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 ) أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 )

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 200 ، وأبو داود في الصلاة باب 119 .